أحمد بن محمد المقري التلمساني
350
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
أتاك تفسيري ولمّا يحل * منّي على أضغاث أحلام « 1 » اجعله رسما دائما زائرا * مني ومنك غرّة العام « 2 » وبعث إليه بهذين البيتين مع ملء الطبق دنانير ودراهم ، فقال ابن فرج : [ الخفيف ] قد سمعنا بجود كعب وحاتم * ما سمعنا جودا مدى العمر لازم « 3 » فدعائي بأن تدوم دعاء * لي ما زال طول ما عشت دائم ما سمعنا كمثل هذا اختراعا * هكذا هكذا تكون المكارم [ من جود بعض ملوك إفريقية وبين عبد اللّه المرواني وصديق ومقتل عبد اللّه بن الناصر و ] تشبه هذه الحكاية حكاية اتّفقت لبعض ملوك إفريقية ، وذلك أنّ رجلا أهدى لي في قادوس وردا أحمر وأبيض ، فأمر أن يملأ له دراهم ، فقالت له جارية من جواريه : إن رأى الأمير أن يلوّن ما أعطاه ، حتى يوافق ما أهداه ، فاستحسن ذلك الأمير ، وأمر أن يملأ دنانير ودراهم . وكان المرواني المذكور يساير أحد الفقهاء الظرفاء ، فمرّا بجميل ، فمال عبد اللّه بطرفه إلى وجهه « 4 » ، وظهر ذلك لمسايره ، فتبسّم ، ففهم عبد اللّه تبسمه « 5 » ، فقال : إنّ هذه الوجوه الحسان خلّابة ، ولكنّا لا نتغلغل في نظرها ، ولا ندّعي العفّة عنها بالجملة ، وفيها اعتبار وتذكار بالحور العين التي وعد اللّه تعالى ، فقال له الفقيه : احتجّ لروحك بما شئت ، فقال : أو ما هي حجّة تقبل ؟ فقال الفقيه : يقبلها من رقّ طبعه ، وكاد يضيق عن الصبر وسعه ، فقال : وأراك شريكا لي ، فقال : ولولا ذلك للمتك ، فأطرق عبد اللّه ساعة ثم أنشد : [ المنسرح ] أفدي الذي مرّ بي فمال له * لحظي ولكن ثنيته غصبا ما ذاك إلّا مخاف منتقد * فاللّه يعفو ويغفر الذّنبا فقال له الفقيه : إن كنت ثنيت لحظك خوف انتقادي فإني أدعوه إليك حتى تملأ منه ، ولا تنسب إليّ ما نسبت ، فتبسّم عبد اللّه وقال : ولا هذا كلّه ، وقال له : إنّ مثلك في الفقهاء لمعدوم ، فقال له : ما كنت إلّا أديبا ، ولكنّي لمّا رأيت سوق الفقه بقرطبة نافقة اشتغلت به ، فقال له : ومن عقل المرء أن لا يفني عمره فيما لا ينفقه عصره . وكان عبد اللّه المذكور يسمّى الزاهد ، فبايع قوما على قتل والده الناصر وأخيه الحكم
--> ( 1 ) في ب ، ه : « ولما يحل عني على أضغاث أحلام » . ( 2 ) في ب ، ه : « منك ومني غرة العام » . ( 3 ) كعب : هو كعب بن مامة الإيادي . وحاتم : هو حاتم الطائي ، وهما مضرب المثل في الكرم . ( 4 ) في ب ، ه : « على وجهه » . ( 5 ) في ب ، ه : « ففيهم عبد اللّه عنه » .